الخطيب الشربيني
15
مغني المحتاج
والأمان ( فيهدر الحربي والمرتد ) أما الأول فلعموم قوله تعالى : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * ، وأما الثاني فلقوله صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه والمراد إهداره في حق المسلم . أما في حق ذمي أو مرتد فسيأتي . ( ومن عليه قصاص ) فهو معصوم على غير المستحق ( كغيره ) فإذا قتله غير المستحق اقتص منه ، لقوله تعالى : * ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) * فخص وليه بقتله ، فدل على أن وليه لا سلطان له عليه . تنبيه : محل هذا فيمن لم يتحتم قتله ، أما إذا تحتم قتله لقطع طريق فإن الصحيح أنه يقتل قصاصا . ولو قتله غير المستحق لا يقتل به إلا إن كان مثله . ( والزاني ) المسلم ( المحصن إن قتله ذمي قتل به ) لأنه لا تسلط له على المسلم ، وإذا كان الذمي يقتل به فالمرتد والمعاهد والمؤمن بالأولى . وخرج بقيد المسلم ما لو كان المحصن ذميا ، فإن الذمي غير الزاني المحصن لا يقتل به كما قال البلقيني ، فإن كان مثله قتل به . ( أو ) قتله ( مسلم ) غير زان محصن ( فلا ) يقتل به ( في الأصح ) المنصوص في الام لاستيفائه حد الله تعالى . والثاني : يجب القصاص ، لأن الاستيفاء للام ، فأشبه ما لو قتل من عليه القصاص غير مستحقه . وعلى الأول لا فرق بين أن يقتله قبل أمر الإمام بقتله أم لا ، ولا بين أن يثبت زناه بالبينة أم لا ، ولا بين أن يكون قبل رجوعه عن الاقرار أم لا . ووقع في تصحيح التنبيه للمصنف أن ذلك فيما إذا ثبت زناه بالبينة ، فإن ثبت بالاقرار قتل به . أما المسلم الزاني المحصن إذا قتله فإنه يقتل به ، أو تارك الصلاة عمدا بعد أمر الحاكم بها كالزاني ثم شرع في الركن الثالث وهو القاتل ، فقال : ( و ) يشترط ( في القاتل ) المحصن تكليف ، وهو ( بلوغ وعقل ) فلا قصاص على صبي ومجنون ، لخبر : رفع القلم عن ثلاث . تنبيه : محله في المجنون إذا كان الجنون مطبقا ، أما المتقطع فينظر إن كان في زمن إفاقته فهو كالعاقل الذي لا جنون به ، وإن كان في زمن جنونه فهو كالمجنون الذي لا إفاقة له . ( والمذهب وجوبه ) أي القصاص ( على السكران ) المتعدي بسكره ، لأنه مكلف عند غير المصنف ، ولئلا يؤدي إلى ترك القصاص ، لأن من رام القتل لا يعجز أن يسكر حتى لا يقتص منه . وهذا كالمستثنى من شرط العقل ، وهو من قبيل ربط الأحكام بالأسباب . وألحق به من تعدى بشرب دواء مزيل للعقل . أما غير المتعدي فهو كالمعتوه فلا قصاص عليه . ( ولو قال : كنت يوم القتل صبيا أو مجنونا ) وكذبه ولي المقتول ، ( صدق ) القاتل ( بيمينه إن أمكن الصبا ) وقت القتل ( وعهد الجنون ) قبله ، لأن الأصل بقاؤهما ، بخلاف ما إذا لم يمكن صباه ولم يعهد جنونه . ولو قامت بينة بجنونه وأخرى بعقله ولم يعلم حاله قبل ذلك أو علم حاله وكانت البينتان مقيدتين بحالة الموت تعارضتا ، أو لو اتفق ولي المقتول والقاتل على زوال عقله لكن الولي يقول : بسكر تعدى فيه ، والقاتل : بجنون ، صدق القاتل كما أطلقاه . ( ولو قال ) القاتل ( أنا ) الآن ( صبي ) وأمكن ( فلا قصاص ) عليه ( ولا يحلف ) أنه صبي ، لأن التحليف لاثبات صباه ، ولو ثبت لبطلت يمينه ، ففي تحليفه إبطال لتحليفه ، وسيأتي هذا في الدعوى والبينات مع زيادة . ( ولا قصاص ) ولا دية ( على حربي ) قتل حال حرابته ، وإن عصم بعد ذلك بإسلام أو عقد ذمة ، لما تواتر من فعله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده من عدم القصاص ممن أسلم ، كوحشي قاتل حمزة رضي الله تعالى عنه ، ولعدم التزامه الأحكام . ( ويجب ) القصاص ( على المعصوم ) بإيمان أو أمان من غير تأويل لالتزامه الأحكام ، أما بالتأويل بأن قتل البغاة من أهل العدل في حال الحرب فلا ضمان عليهم كما سيأتي . تنبيه : عبارة المحرر : ويجب على الذمي ، فعدل عنها المصنف إلى المعصوم لعمومها ، وزاد عليه قوله : ( و ) على ( المرتد ) لأجل تعبيره بالمعصوم لئلا يرد على المفهوم فإنه غير معصوم ، وإنما أوجبنا عليه القصاص لبقاء علقة الاسلام فيه .